كانت الدقائق تمرّ ببطءٍ قاتل. دانيال جلس على الأرض، ظهره إلى الجدار، وراح يبكي. لم يكن بكاء رجلٍ قويّ انهزم، بل بكاء طفلٍ انكشف ضعفه فجأة. — لم أعد أنا… — كان يهمس — العمل… الضغط… الشراب… الغضب… كل شيء تراكم… لم أعد أعرف نفسي… لم أجب.
كنتُ أضغط قطعة قماش على جرح أوليفيا، وأحاول أن أثبّت نفسي قبل أن أثبّتها هي. وصلت سيارة الإسعاف، ثم الشرطة. تحوّل الحمّام الهادئ إلى مسرحٍ من الحركة والأصوات والأضواء. حملوا أوليفيا بعناية، وغطّوا ذراعها، وطمأنوها. أما دانيال، فوقف بهدوءٍ غريب حين اقترب منه الشرطي. لم يقاوم. لم يحتجّ.
لم يحاول التبرير. مدّ يديه كمن يعرف أن هذه اللحظة كانت تقترب منذ زمن. خرج من الباب مكبّل اليدين، ورأسه منكس. في تلك اللحظة، شعرتُ أن شيئًا انر داخلي إلى الأبد. نجت أوليفيا. لكن النجاة ليست دائمًا نهاية الحكاية، بل بدايتها المؤلمة.
احتاجت إلى علاجٍ طويل، ليس لجسدها فقط، بل لقلبها وروحها أيضًا. كانت الجروح التي تُخاط بالخيط الطبي أهون من تلك التي تُخاط بالصمت. كانت نظرتها حين رأيتها بعد أيام في المستشفى مختلفة؛ لم تكن نظرة ألمٍ جسدي، بل نظرة إنسانةٍ انر بداخلها شيءٌ عميق.
لم تعد إلى ا. لم تستطع. وكان ذلك حقها الكامل، دون نقاش، دون تبرير، دون انتظار اعتذارٍ إضافي. أما الشقة التي كانت تلمع بالفخامة ذات يوم، فقد تحوّلت إلى مكانٍ صامتٍ ثقيل. اختفت الضحكات المصطنعة التي كنتُ أظنّها حياة، وخفتت الأضواء التي كنتُ أظنّها دفئًا، وبدا الأثاث الباهظ كأنه شاهدٌ أبكم على ليلةٍ لا تُنسى، ليلةٍ انكشف فيها كل شيء.
جلستُ وحدي في غرفة المعيشة بعد رحيل الجميع. كانت الساعة تقترب من الفجر، وكأنها تسخر منّي. نظرتُ إلى الصور المعلّقة على الجدران: صورة دانيال في تخرّجه، يقف بفخرٍ وثقة؛ صورة زفافه، وهو يبتسم ابتسامةً عريضةً لم أعد أراها؛
صور رحلاتهم إلى البحر، إلى الجبال، إلى أماكن بدت فيها الحياة بسيطة وواضحة. متابعة القراءة استيقظتُ عند الثالثة على صوت الماء… وما رأيته خلف باب الحمّام غيّر حياتي إلى الأبد! سألتُ نفسي: كيف يمكن أن تختبئ العتمة خلف كل هذا الضوء؟
كيف يمكن للابتسامات أن تكون ستارًا؟ ومتى بدأ الشرخ الأول؟ مرّت الأيام، ثم الأسابيع. أصبحتُ أعيش بين زيارتين: زيارة إلى المحكمة، وزيارة إلى مركز التوقيف. كنتُ أستيقظ باكرًا، أرتدي ملابسي ببطء، أمشّط شعري الأبيض أمام المرآة، وأقول لنفسي: “تماسكي… أنتِ أم.
” كان يجلس خلف الزجاج، يضع السماعة على أذنه، وينظر إليّ بعينين غارقتين في ندمٍ ثقيل. لم يكن ينظر إليّ مباشرة في البداية؛ كان يخفض عينيه، كأنه يخجل من مواجهة الصورة التي صنعتها له. — سامحيني يا أمي… — كان يقول بصوتٍ مبحوح — لم أكن أريد أن أكون هكذا… لا أعرف متى تغيّرت… لا أعرف كيف وصلتُ إلى هنا… كنتُ أسمعه، لكنني لم أعد أبحث عن تبرير.
كنتُ أبحث عن إجابة. في أيّ لحظةٍ بدأ يتغيّر؟ هل كان هناك إشعارٌ صغير تجاهلته؟ نظرةٌ لم أفهمها حين كان مراهقًا؟ صمتٌ لم أفسّره حين عاد من عمله مرهقًا؟ غضبٌ لم أواجهه بالحزم الكافي؟ أحيانًا ألوم نفسي. أقول إنني كان يجب أن أرى العلامات قبل أن تكبر.
كان يجب أن أقترب أكثر. أن أصرّ على الحديث. أن لا أكتفي بالسكوت حين رأيت أول علامةٍ أرجوانية على معصم أوليفيا. أن لا أصدّق الأعذار السهلة. وأحيانًا أقول إن الإنسان، مهما ربّيناه، يبقى مسؤولًا عن اختياراته.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.