الأن عمرى وصل ٧٣ عاماً وأنتقلت إلى منزل ابني

نُشر منذ يومين
حفظ
غلاف المقال

وأحيانًا أقول إن الإنسان، مهما ربّيناه، يبقى مسؤولًا عن اختياراته. لا يمكن للأم أن تحيا داخل روح ابنها إلى الأبد. لا يمكنها أن تمسك يده وهو رجلٌ كامل، وتمنعه من السقوط إن اختار أن يبتعد عن النور. كانت المحكمة باردة.

الأوراق تُقلّب، والأصوات قانونية، والوجوه محايدة. سمعتُ كلماتٍ لم أتخيّل يومًا أن تُقال عن ابني: “اعتداء”، “فقدان سيطرة”، “إيذاء جسدي”. كانت الكلمات كالسك,اكين، لكنها لم تكن جديدة عليّ. كنتُ قد رأيتها في تلك الليلة… رأيتها في عينيه، وفي يد أوليفيا المرتجفة. بعد صدور الحكم، عدتُ إلى الشقة لأجمع بعض أغراضه.

فتحتُ خزانته، ففاحت منها رائحة عطره الذي كان يملأ المكان. لم أستطع أن أتحمّل الرائحة طويلًا. جلستُ على الأرض، بين ثيابه، وبكيتُ بصمت. وجدتُ دفترًا قديمًا بين أغراضه، دفتر ملاحظاتٍ من أيام الجامعة. قرأته. كانت هناك أحلامٌ كثيرة مكتوبة بخطٍ شابٍ متحمّس: “أريد أن أنجح.

” “أريد أن أكون فخر أمي.” “لن أكون مثل أبي.” توقّفتُ عند الجملة الأخيرة طويلًا. لن أكون مثل أبي. أغلقتُ الدفتر، وضغطته إلى صدري. كم هي قاسية الحياة حين نعيد أخطاء من ظننا أننا نجونا منها. تمرّ السنوات، لكن الساعة الثالثة فجرًا ما زالت توقظني. لا أحتاج إلى منبّه.

جسدي يعرف. روحي تعرف. أفتح عينيّ على صمتٍ ثقيل، وأسمع في خيالي صوت الماء. أسمع الهمس. أسمع البكاء. أحيانًا أمدّ يدي في الظلام، كأنني أبحث عن شيءٍ أوقف به الزمن. ثم أنهض، أمشي ببطء نحو النافذة، أزيح الستارة قليلًا، وأرى المطر يطرق الزجاج. قطرة… ثم أخرى… فأعود إلى تلك الليلة.

إلى الماء، والبكاء، وأثر الدم الذي حاول أن يختفي. أسأل نفسي كل مرة: متى تاه ابني في ظلمته؟ متى بدأ يبرّر غضبه بدل أن يواجهه؟ متى صار الصمت بينه وبين زوجته أوسع من أن يُجسر؟ أحيانًا أكتب رسائل إلى أوليفيا، لا لأطلب منها الصفح، بل لأقول لها إنني أؤمن بقوتها.

إن ما حدث لا يعرّفها. إنها ليست الضحية فقط، بل الناجية. وأنها تستحق حياةً لا يخالطها خوف. ورغم كل شيء… ما زلتُ أصلّي. لا لأجل تبرير ما فعل دانيال، ولا لتخفيف مسؤوليته، بل لأجل أن يتعلّم، أن يندم بصدق، أن يتغيّر حقًا.

أصلّي أن يخرج يومًا إنسانًا يعرف قيمة السيطرة على نفسه قبل أن يطلب السيطرة على العالم. أصلّي أن تجد أوليفيا سلامًا يرمّم ما انكسر في أعماقها. وأصلّي أن لا تُضطر أمٌّ أخرى أن ترى ابنها يسقط أمام عينيها، ولا أن ترى في عيني زوجةٍ شابة خوفًا يشبه النهاية.

لقد عشتُ ثلاثةً وسبعين عامًا، وواجهتُ عواصف كثيرة. رأيتُ الفقر، وذقتُ الوحدة، وودّعتُ زوجًا، وتحملتُ ليالي طويلة من القلق. لكن تلك الليلة عند الثالثة فجرًا… كانت العاصفة التي كشفت لي أن أقسى ما في الحياة ليس الفقر، ولا المرض، ولا الشيخوخة، ولا حتى الفقد.

بل أن ترى جزءًا منك يتحوّل إلى شخصٍ لا تعرفه، وأن تقف عاجزة أمام اختياره، وأن تبقى، رغم ذلك، أمًّا… أمًّا بقلبٍ لا يتوقّف عن الخفقان، ولا عن الدعاء، ولا عن الرجاء بأنّ الرحمة — مهما تأخّرت — قد تجد طريقها يومًا إلى روحٍ ضلّت الطريق. تابع المقال

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
مم

محمد ميدو ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
261مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان