بوابات حديدية افتراضية هبطت على مخارج ومداخل العاصمة، وكاميرات المراقبة المركزية، المرتبطة بأقمار صناعية وشبكات رصد أرضية فائقة الدقة، بدأت تمسح كل شبر في قطاع الطريق الصحراوي والدائري ومحور 26 يوليو. في غرفة العمليات الرئيسية التابعة للمخابرات العامة، كان الهواء يشبه غازاً مشتعلاً.
اللواء “شريف المنياوي”، وكيل الجهاز ورجل العمليات الأول، وقف أمام الشاشة العملاقة التي تعرض خريطة إلكترونية تنبض باللون الأحمر الدامي. وجهه كان منحوتاً من صخر، وعيناه لا ترفان. “آخر إشارة GPS خرجت من تليفونها المؤمّن كانت فين يا رائد هشام؟
” سأل شريف بصوت منخفض، لكن نبرته كانت كافية لتجميد الدم في عروق الحاضرين. رد الرائد هشام، وعيناه تتحركان بسرعة محمومة بين عدة شاشات: “يا فندم، الإشارة اتقطعت فجأة في النقطة الواقعة بين الوصلة ومخرج المنطقة الصناعية..
بس قبل انقطاعها بثوانٍ معدودة، سجلت الأجهزة رصد تجمّع لمركبات شرطية غير مدرجة ضمن الدوريات الروتينية المرخصة في هذا القطاع في ذلك التوقيت، وتحديداً بوكسات تابعة لمركز شرطة…” ونطق اسم المركز بدقة. شريف ضيق عينيه، وضرب بأصابعه على الطاولة المعدنية الصلبة: “مركز شرطة؟
دورية عادية تقطع طريق رئيسة الجهاز وتتعامل معاها؟ ده مش كمين أمني.. دي مهازلة كاملة، أو كارثة مدبرة. جهزوا قوة التدخل السريع (الفهد الأسود)، ومعاهم فريق العمليات الخاصة. التحرك خلال دقيقتين بالظبط. ممنوع استخدام أي إجراء إلا بأمر مباشر مني، بس أي حد يقف في سكة القوة دي.
. اتشلوه من على وش الأرض.” على الجانب الآخر، داخل حجز مركز الشرطة، كان الجو محملًا برائحة الرطوبة والعفن، مختلطة برائحة الدخان الكثيف الصادر من السجائر الرديئة التي كان أمناء الشرطة يشربونها في الممر الخارجي. نادية الجبالي كانت جالسة على المقعد الخشبي المتهالك داخل غرفة الانتظار المنفصلة.
ظهرها مشدود، وعيناها تحدقان في الفراغ ببرود تام. لم تكن خائفة؛ الخوف شعور محوته سنوات الخدمة الطويلة والعمليات العابرة للحدود. لكن ما كان يعتصر قلبها هو الغضب الساطع من هذا الغباء المطلق الذي يديره ضابط متهور لا يرى أبعد من أنفه.
سمعت صوت خطوات ثقيلة تقترب من باب الحجز، يتبعها صوت صوت احتكاك المفاتيح الضخمة في القفل. الباب انفتح بعنف، وظهر طارق بركات، وعلى وجهه ابتسامة انتصر فيها الجهل على الحكمة. في إيده كوباية شاي بالنعناع، وبإيده التانية بيحرك مفاتيح عربية نادية اللي اتحطت في الحرز. “ها يا هانم؟
” قال طارق وهو بيتكأ بكتفه على الحائط قدام الباب: “لسه مصرة إنك رئيسة الجهاز؟ ولا السقعة والرطوبة بدأت تفوقك وتخليكي تفكري في اسم عدل تقولي عليه بدل ما نلبس الملف كله ليكي لوحدك؟” نادية رفعت راسها ببطء، وبصت له بنظرة جعلت طارق يحس ببرودة غريبة تسري في ظهره رغم سخونة الشاي.
قالت بصوت هادئ ومتحكم تماماً، لكنه يحمل ثقل جبل: “أنت مش مجرد ظابط فاشل.. أنت شخص بلا بصيرة ولا كفاءة. بدل ما تراجع الكارنيهات أو تتصل بغرفة العمليات، جريت وراء غرورك الكداب عشان تعمل بطل قدام أمناء الشرطة بتوعك. تفتكر الليلة دي هتعدي على خير؟
تفتكر الباب اللي اتقفل عليا ده مش هيتقفل عليك قريباً وبأقفال من حديد ما يتفتحش؟” طارق ضحك بصوت عالي، وضرب كف على كف بتهكم: “يا سلام! لا والله ختيني في مرعب! دكتورة نادية.. هانم الكارنيهات المزورة!
فوقي يا ماما، إحنا في القسم هنا، القانون هنا بيمشي بكلامي أنا، والتقارير اللي هتترفع للنيابة الصبح هتقول إننا مسكناكي في نص الليل في عربية مشبوهة ومعاكي مستندات مزورة وأموال مشهبهاش ريحة القانون. مين بقى اللي هيصدقك؟ أنا الرائد طارق.. تاريخي في المديرية يشهد لي.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.